اتق الله
09-09-2006, 02:26 PM
عزيزي السر مايكل عطيه
هل هناك أطيب من كلمة "صحتين" اللبنانية في التعبير عن تمنيات المجتمعات العلمية العربية والعالمية، أولاً بمناسبة بلوغك الخامسة والسبعين من العمر، وثانياً لفوزك بأثمن جائزة دولية في علوم الرياضيات، وثالثاً، لأنك صرّحت في حديثك للصحفيين يوم الإعلان عن منحك الجائزة أن الرئيس الأميركي جورج بوش غبي. وإذا كانت الرياضيات، كما يقول علماء الرياضيات الأقدمون هي لغة العلوم وبابها ومفتاحها، فإن غباء جورج بوش هو مفتاح مصيبة العالم بهذا الرئيس الأميركي. وهل هناك أغبى من رجل دولة دفعت سياساته كبير علماء الرياضيات في العالم للخروج وقد تجاوز السبعين من العمر إلى الشوارع في مظاهرة لأول مرة في حياته؟
عناء قرارك مناهضة الحرب على العراق يوضحه أسلوب عملك العلمي، الذي قارنته في حديثك لصحيفة الغارديان بتسلق الجبال. الطريق الخطر الطويل لتسلق قمة إيفرست لاستكشاف المشهد الكبير للرياضيات. معظم العمل لا يعتمد على وضع أفكار على الورق، بل في الدماغ، فيما يكون الجسم في حركة دائبة للحفاظ على يقظة الذهن وتحريك الدورة الدموية. تفكر وتفكر وتفكر، حسب تعبيرك، ولا يمكن لفكرك أن يعمل، إلاً عبر كتل زمنية ضخمة لا تتكون من ساعات فقط، بل أيام وأسابيع. تخرج للمشي حاملاً أفكارك معك، تأخذ الحافلة وتركب القطار، بل تذهب للنوم وتستيقظ في الصباح مع هذا القدر الهائل التعقيد من أفكار ترافقك فترات طويلة قد تستغرق سنة وسنتين.
هذه خشية العلماء الدائمة التي يتحدث عنها العرب القدماء، وكنت اعترفت مرة أنك تخشى الرياضيات كغيرك من الناس، رغم أنها موجودة في عقلهم جميعاً، وتعاملهم الدائم مع الأعداد والوقت واليوم والشهور، وتحيطهم أشكالها وموزها حتى في أعماق الصحراء العربية، حيث أجمل مناظر الرياضيات في الطبيعة: السطوح المجسمة للتلال والكثبان، وانكسارات السفوح ودائرة الأفق والحركة الهندسية للرمال، وهي تنساب كأمواج البحر بخطوط متوازية، أو تتقاطع بزوايا حادة، أو تشكل منحنيات ومثلثات وأقماعاً ومضلعات.
تحولت افكارك حال تصريحك بها إلى مصدر للعاملين في ميدان الإبداع والتربية، لكن لم يخطر لأحد أن العالم يدين لذاكرة سكان المنطقة العربية في الحفاظ على كنوز الشعر والفكر والتاريخ التي توارثتها الحضارات عبر العالم. وتدين الرياضيات الحديثة للحافظة العربية لمايكل عطية، الذي واصل البحث العلمي في تسعينيات القرن الماضي، وهو يجمع في آن لأول مرة في تاريخ بريطانيا بين رئاسة أعرق مؤسستين علميتين: "الجمعية الملكية"، التي تأسست عام 1731، وهي أكاديمية العلوم القومية لهذا البلد، وكلية ترينيتي في جامعة كيمبردج، وهي أغنى كليات بريطانيا.
كم سنة اضاعت الحرب على العراق من بحوث الرياضيات في هذه المرحلة الثمينة من عمرك وعمر العلم؟ ففي كل صباح تتوقع الأوساط العلمية العالمية أن تستيقظ على نبأ اكتشاف النظرية، التي تفسر كل شئ في الكون. نظرية تنهي الفصام الذهني، الذي لا يزال يعانى منه العلم (هل أقول السياسة أيضاً؟) ما بين النسبية العامة لإنشتاين، التي تفسر الكون الأكبر خارج المجرات السماوية، وميكانيك الكم، التي تفسر الكون الأصغر داخل الذرات. من دون ذلك لا يمكن معرفة أبسط الأشياء وأعظمها: ما هي المادة، التي يتكون منها البشر والأرض والنجوم وكل شئ في الكون، ومن أين جاء هذا الكون، وهل هناك كون قبل هذا الكون وبعده؟
أول خطواتك على هذا الطريق كانت فرضية الدلالة Index Theorem، التي فزت عنها الآن للمرة الثانية بأعلى جوائز علوم الرياضيات، وهي إن إيبل N Abel وقدرها نصف مليون دولار، وكنت فزت عنها عام 1966 بميدالية فيلدز، التي تعادل نوبل في الرياضيات. وساهمت بحوثك في تطوير النظرية التوبولوجية التي لا تُعنى بشكل الأشياء أو حجومها، بل بارتباطاتها الهندسية فيما تظل هي ثابتة، كقطرة الماء أو الموجة: يتغير شكلها عندما تنطوي وتمتد وتنثني، لكنها تظل ثابتة ما دامت لا تتحطم أو تتناثر. وشاركت بتطوير نظرية الأنشوطة، التي تقيس السطوح المحدبة الصغرى داخل الذرة والكبرى في الكون. وعلى غرار علماء الرياضيات العرب العظام القدماء أقمت جسراً يربط بين الرياضيات والحساب والجبر والهندسة، وبينها وتطبيقاتها المتعددة في الاقتصاد والهندسة والفيزياء.
في أول لقاء معك عقب فوزك بجائزة الملك فيصل للعلوم عام 1987 قلت لي أنك تدين بأسلوبك العلمي لأبيك الكاتب اللبناني إدوارد سليم عطيه. وأوضحت كيف تتوسط نظريتك العلمية بين علوم عدة على غرار توسط أبيك بين الثقافات المختلفة. والولد سر أبيه، كما يقول العرب. وها أنت تتحدث عنه الآن لأول مرة للصحافة البريطانية، وتعترف بأنك عانيت مثله من الولاء المزدوج، وأنك كنت تثير بولائك الإنجليزي استياء زملائك في كلية فكتوريا في القاهرة، حيث درست الثانوية. وكنت على غرار أبيك ترغب، حسب قولك بالتحرر من خلفيتك العربية.
أنت تدين لأبيك بأكثر من الولاء المزدوج، تدين له بقلبك العربي، الذي يئن على فلسطين. هذا واضح في حديثك للصحافة البريطانية عن المفارقة المرعبة، التي جعلت اليهود يقيمون الآن للفلسطينيين محرقة هولوكوست مماثلة لتلك التي عانوا منها. وكلماتك عن دور الغرب في المأساة تكاد تكرر حرفياً كلام أبيك في سيرته الذاتية "عربي يروي قصته" An Arab Tells His Story. يحذر أبوك في ذلك الكتاب الفريد، الذي لم تصدر منه سوى طبعة وحيدة بالإنجليزية عام 1946 من أن فلسطين هي الحد الفاصل بين بريطانيا والعرب.
القلب معلم العقل. ذكرت ذلك مقالة عنك منشورة هنا قبل أسبوع من غزو العراق بعنوان "كبير علماء بريطانيا يقول لا تقتلوا العراقيين". لقد حطّمت قلبي بعد نشر المقالة برسالتك التي بعثتها عبر الإنترنت تشكرني، أنا العراقي على دعمي لموقفك المناهض للحرب على العراق. كم تألّمتُ حينها لأن الحيّز المتاح للمقالة لم يتسع لذكر أن السر مايكل عطية، الذي منحته بريطانيا أرفع ألقاب النبالة كسر حزنه، كما يقال بالعربية حين خرج وهو في حداد على وفاة أكبر أولاده للمشاركة في مظاهرة ضد حرب بريطانيا على العراق. كيف فعلت ذلك وأنت واحد من سبعة أعضاء ما يُسمى مجلس حكماء ملكة بريطانيا؟ هل تدين بهذا إلى أنك سكوتلندي من ناحية أمك، وسكوتلنده هي البلد الوحيد، ليس في بريطانيا فحسب بل في العالم، حيث يُكتب على الجدران "أيها الإنجليز إرحلوا إلى بلادكم"؟
اسمح لي هنا أن أتبع طريقة علماء الرياضيات، الذين تقول عنهم أنهم أكثر المخلوقات فضولاً... يطرحون أسئلة أساسية ويتطلعون نحو أجوبة غير متوقعة. وأسأل أين تكمن نباهة رئيس الوزراء توني بلير، التي نوّهت بها في حديثك للصحافة؟ ولماذا تستغرب كيف أوقع نفسه بورطة غزو العراق المرعبة حسب قولك؟ توني بلير يمثل أكثر من أي سياسي بريطاني بريطانيا، التي يُشبّهها العرب بالثعلب. والعرب يصفون الثعلب بكلمتين: جسور جبان. ولعل أظرف تقييم لنباهة توني بلير تسمعه في قرية سوق الغرب قرب بيروت، حيث يعيش أهلك آل عطية منذ 4 قرون "قالوا للحرامي إحلف يمين، قال إجه باب الفرج".
مع أرق تمنياتي لزوجتك الليدي ليلي ولك شخصياً...
محمد عارف - مستشار في العلوم والتكنولوجيا
تاريخ الماده:- 2004-04-29
هل هناك أطيب من كلمة "صحتين" اللبنانية في التعبير عن تمنيات المجتمعات العلمية العربية والعالمية، أولاً بمناسبة بلوغك الخامسة والسبعين من العمر، وثانياً لفوزك بأثمن جائزة دولية في علوم الرياضيات، وثالثاً، لأنك صرّحت في حديثك للصحفيين يوم الإعلان عن منحك الجائزة أن الرئيس الأميركي جورج بوش غبي. وإذا كانت الرياضيات، كما يقول علماء الرياضيات الأقدمون هي لغة العلوم وبابها ومفتاحها، فإن غباء جورج بوش هو مفتاح مصيبة العالم بهذا الرئيس الأميركي. وهل هناك أغبى من رجل دولة دفعت سياساته كبير علماء الرياضيات في العالم للخروج وقد تجاوز السبعين من العمر إلى الشوارع في مظاهرة لأول مرة في حياته؟
عناء قرارك مناهضة الحرب على العراق يوضحه أسلوب عملك العلمي، الذي قارنته في حديثك لصحيفة الغارديان بتسلق الجبال. الطريق الخطر الطويل لتسلق قمة إيفرست لاستكشاف المشهد الكبير للرياضيات. معظم العمل لا يعتمد على وضع أفكار على الورق، بل في الدماغ، فيما يكون الجسم في حركة دائبة للحفاظ على يقظة الذهن وتحريك الدورة الدموية. تفكر وتفكر وتفكر، حسب تعبيرك، ولا يمكن لفكرك أن يعمل، إلاً عبر كتل زمنية ضخمة لا تتكون من ساعات فقط، بل أيام وأسابيع. تخرج للمشي حاملاً أفكارك معك، تأخذ الحافلة وتركب القطار، بل تذهب للنوم وتستيقظ في الصباح مع هذا القدر الهائل التعقيد من أفكار ترافقك فترات طويلة قد تستغرق سنة وسنتين.
هذه خشية العلماء الدائمة التي يتحدث عنها العرب القدماء، وكنت اعترفت مرة أنك تخشى الرياضيات كغيرك من الناس، رغم أنها موجودة في عقلهم جميعاً، وتعاملهم الدائم مع الأعداد والوقت واليوم والشهور، وتحيطهم أشكالها وموزها حتى في أعماق الصحراء العربية، حيث أجمل مناظر الرياضيات في الطبيعة: السطوح المجسمة للتلال والكثبان، وانكسارات السفوح ودائرة الأفق والحركة الهندسية للرمال، وهي تنساب كأمواج البحر بخطوط متوازية، أو تتقاطع بزوايا حادة، أو تشكل منحنيات ومثلثات وأقماعاً ومضلعات.
تحولت افكارك حال تصريحك بها إلى مصدر للعاملين في ميدان الإبداع والتربية، لكن لم يخطر لأحد أن العالم يدين لذاكرة سكان المنطقة العربية في الحفاظ على كنوز الشعر والفكر والتاريخ التي توارثتها الحضارات عبر العالم. وتدين الرياضيات الحديثة للحافظة العربية لمايكل عطية، الذي واصل البحث العلمي في تسعينيات القرن الماضي، وهو يجمع في آن لأول مرة في تاريخ بريطانيا بين رئاسة أعرق مؤسستين علميتين: "الجمعية الملكية"، التي تأسست عام 1731، وهي أكاديمية العلوم القومية لهذا البلد، وكلية ترينيتي في جامعة كيمبردج، وهي أغنى كليات بريطانيا.
كم سنة اضاعت الحرب على العراق من بحوث الرياضيات في هذه المرحلة الثمينة من عمرك وعمر العلم؟ ففي كل صباح تتوقع الأوساط العلمية العالمية أن تستيقظ على نبأ اكتشاف النظرية، التي تفسر كل شئ في الكون. نظرية تنهي الفصام الذهني، الذي لا يزال يعانى منه العلم (هل أقول السياسة أيضاً؟) ما بين النسبية العامة لإنشتاين، التي تفسر الكون الأكبر خارج المجرات السماوية، وميكانيك الكم، التي تفسر الكون الأصغر داخل الذرات. من دون ذلك لا يمكن معرفة أبسط الأشياء وأعظمها: ما هي المادة، التي يتكون منها البشر والأرض والنجوم وكل شئ في الكون، ومن أين جاء هذا الكون، وهل هناك كون قبل هذا الكون وبعده؟
أول خطواتك على هذا الطريق كانت فرضية الدلالة Index Theorem، التي فزت عنها الآن للمرة الثانية بأعلى جوائز علوم الرياضيات، وهي إن إيبل N Abel وقدرها نصف مليون دولار، وكنت فزت عنها عام 1966 بميدالية فيلدز، التي تعادل نوبل في الرياضيات. وساهمت بحوثك في تطوير النظرية التوبولوجية التي لا تُعنى بشكل الأشياء أو حجومها، بل بارتباطاتها الهندسية فيما تظل هي ثابتة، كقطرة الماء أو الموجة: يتغير شكلها عندما تنطوي وتمتد وتنثني، لكنها تظل ثابتة ما دامت لا تتحطم أو تتناثر. وشاركت بتطوير نظرية الأنشوطة، التي تقيس السطوح المحدبة الصغرى داخل الذرة والكبرى في الكون. وعلى غرار علماء الرياضيات العرب العظام القدماء أقمت جسراً يربط بين الرياضيات والحساب والجبر والهندسة، وبينها وتطبيقاتها المتعددة في الاقتصاد والهندسة والفيزياء.
في أول لقاء معك عقب فوزك بجائزة الملك فيصل للعلوم عام 1987 قلت لي أنك تدين بأسلوبك العلمي لأبيك الكاتب اللبناني إدوارد سليم عطيه. وأوضحت كيف تتوسط نظريتك العلمية بين علوم عدة على غرار توسط أبيك بين الثقافات المختلفة. والولد سر أبيه، كما يقول العرب. وها أنت تتحدث عنه الآن لأول مرة للصحافة البريطانية، وتعترف بأنك عانيت مثله من الولاء المزدوج، وأنك كنت تثير بولائك الإنجليزي استياء زملائك في كلية فكتوريا في القاهرة، حيث درست الثانوية. وكنت على غرار أبيك ترغب، حسب قولك بالتحرر من خلفيتك العربية.
أنت تدين لأبيك بأكثر من الولاء المزدوج، تدين له بقلبك العربي، الذي يئن على فلسطين. هذا واضح في حديثك للصحافة البريطانية عن المفارقة المرعبة، التي جعلت اليهود يقيمون الآن للفلسطينيين محرقة هولوكوست مماثلة لتلك التي عانوا منها. وكلماتك عن دور الغرب في المأساة تكاد تكرر حرفياً كلام أبيك في سيرته الذاتية "عربي يروي قصته" An Arab Tells His Story. يحذر أبوك في ذلك الكتاب الفريد، الذي لم تصدر منه سوى طبعة وحيدة بالإنجليزية عام 1946 من أن فلسطين هي الحد الفاصل بين بريطانيا والعرب.
القلب معلم العقل. ذكرت ذلك مقالة عنك منشورة هنا قبل أسبوع من غزو العراق بعنوان "كبير علماء بريطانيا يقول لا تقتلوا العراقيين". لقد حطّمت قلبي بعد نشر المقالة برسالتك التي بعثتها عبر الإنترنت تشكرني، أنا العراقي على دعمي لموقفك المناهض للحرب على العراق. كم تألّمتُ حينها لأن الحيّز المتاح للمقالة لم يتسع لذكر أن السر مايكل عطية، الذي منحته بريطانيا أرفع ألقاب النبالة كسر حزنه، كما يقال بالعربية حين خرج وهو في حداد على وفاة أكبر أولاده للمشاركة في مظاهرة ضد حرب بريطانيا على العراق. كيف فعلت ذلك وأنت واحد من سبعة أعضاء ما يُسمى مجلس حكماء ملكة بريطانيا؟ هل تدين بهذا إلى أنك سكوتلندي من ناحية أمك، وسكوتلنده هي البلد الوحيد، ليس في بريطانيا فحسب بل في العالم، حيث يُكتب على الجدران "أيها الإنجليز إرحلوا إلى بلادكم"؟
اسمح لي هنا أن أتبع طريقة علماء الرياضيات، الذين تقول عنهم أنهم أكثر المخلوقات فضولاً... يطرحون أسئلة أساسية ويتطلعون نحو أجوبة غير متوقعة. وأسأل أين تكمن نباهة رئيس الوزراء توني بلير، التي نوّهت بها في حديثك للصحافة؟ ولماذا تستغرب كيف أوقع نفسه بورطة غزو العراق المرعبة حسب قولك؟ توني بلير يمثل أكثر من أي سياسي بريطاني بريطانيا، التي يُشبّهها العرب بالثعلب. والعرب يصفون الثعلب بكلمتين: جسور جبان. ولعل أظرف تقييم لنباهة توني بلير تسمعه في قرية سوق الغرب قرب بيروت، حيث يعيش أهلك آل عطية منذ 4 قرون "قالوا للحرامي إحلف يمين، قال إجه باب الفرج".
مع أرق تمنياتي لزوجتك الليدي ليلي ولك شخصياً...
محمد عارف - مستشار في العلوم والتكنولوجيا
تاريخ الماده:- 2004-04-29